الحب
- التفاصيل
-
الزيارات: 218
" بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضاً لبعض " يو13 : 35
ينطلق الإنسان بحسب الطبيعة البشرية ليقوم بأعمال جيدة تجاه الأشخاص الذين يشعر بالحب تجاههم، وهذا ما يفعله معظم الناس، ولذلك يشير المسيح لهكذا أمر بعبارة " أي فضل لكم إن فعلتم مثلهم ".
إن الحب الذي يطلبه المسيح من أتباعه هو حب فريد من نوعه يمكن تعريفه بالشكل التالي:
الحب هو قرار فيه استعداد حاسم للعمل من أجل خير الآخرين ولتلبية احتياجاتهم بغض النظر عن المشاعر التي أشعر بها تجاههم.
ولذلك لا يمكن للحب أن يبنى في أسرة أو مجتمع أو كنيسة انطلاقاً من المشاعر، فهذه الأخيرة متقلبة ومعرضة للكثير من العوامل التي تحملها كأمواج البحر إلى أماكن متفاوتة في الكم والنوع، ولهذا لابد أن نختار في علاقاتنا كمؤمنين أن نتعامل مع الآخرين بالأعمال التي يتطلبها الحب وهي:
1- الحب يتطلب الصبر : وهو أمر جوهري يساعد على ثبات المواقف التي تُظهر المحبة، والصبر يعني التحكم في المشاعر وتنمية عادة التصرف انطلاقاً من المبادئ وليس انطلاقاً من المشاعر.
يقول البعض لا أستطيع ذلك فأنا شخص عصبي بطبيعتي، والسؤال هنا ما هي ردة فعل هذا الشخص عندما يقف أمام مدير له وفي قلبه أفكار سلبية عنه، كيف سيتكلم معه، أنا واثق أنه سيتكلم بكل لطف وبكل انضباط، ولو أراد نفس الشخص أن يتكلم مع شخص منزعج منه، كيف سيتكلم إن قلت له أنني سأضعكما أمام كاميرا وسأسجل الحوار وأعرضه على آخرين، أنا واثق أنه سيتكلم بطريقة جيدة.
الحقيقة أن لدينا القدرة لنفعل أشياء جيدة كثيرة، كما أن الله وهبنا كل ما هو للحياة والتقوى، فالتمكين الإلهي متاح لنعيش الحياة الصحيحة، وبالتالي لنعيش بالصبر تجاه علاقاتنا.
2- الحب يتطلب الكرم : أي الكرم بكافة أبعاده ولاسيما الكرم بمعنى منح الانتباه والتقدير والتشجيع للآخرين.
للأسف الشديد هناك تأثيرات اجتماعية عديدة نتوارثها وتصبح في كثير من الأحيان عوائق أمامنا في تحقيق الأعمال التي يتطلبها الحب، فعلى سبيل المثال نجد في مجتمعنا صعوبة كبيرة في إظهار التقدير، فالمرأة يمكن أن تقدم لزوجها أشهى الأطعمة التي يحبها، ولكنها كثيراً ما تنتظر كلمة تقدير، لا يمكن أن تسمعها إلا بعد جهد جهيد، واستمرار الزوج في عدم إظهار التقدير المناسب سيؤدي على الأغلب إلى فتور الحب مع زوجته.
إن الرب يسوع المسيح كان ثائراً في وجه العادات السائدة التي تعيق حياة الإيمان، ولا بد لنا من كسر كل المعوقات التي تؤثر سلباً في موضوع الحب.
لا بد لنا أن ننمو في منح الآخرين الانتباه عند الكلام والتقدير عند العمل والتشجيع عند الحاجة.
3- الحب يتطلب التواضع : إن أوضح صور التواضع هي الإنصات لآراء الآخرين والانفتاح على الرأي المضاد، وكذلك أيضاً الإقرار بالضعف وعدم الكمال فنحن لا نحتاج أن نعيش كأننا على صواب بالمطلق أو كأننا نعرف كل شيء، مع العلم أن كل من يدرك حقيقة نفسه ويقر بها لا يمكن أن يفعل ذلك.
لا يوجد شيء يعطينا الحق أن نتعالى على الناس ولا يوجد وقت سيكون فيه التعالي طريق لبناء أي شيء.
إن التواضع هو القوة الحقيقية التي تحقق المعجزات في بناء العلاقات.
4- الحب يتطلب الاحترام : قال أحدهم: علمني أبي أن الاحترام شيء يُكتسب، لذلك فإنني لا أحترم إلا الشخص الذي يكتسب احترامي.
والحقيقة أن الاحترام يُمنح ولا يُكتسب، فكل إنسان يستحق أن يُحترم بغض النظر عن من هو، وبغض النظر عن عمره أو علمه أو أملاكه.....
إن أكثر شكاوي العلاقات الزوجية المكسورة هي عدم الاحترام، الذي يصيب النظرة بين الرجل والمرأة والنظرة تجاه أهليهما، ومن ثم تبدأ هذه النظرة بالنخر في قلب العلاقة الزوجية، فيُجرح الحب وتبرد المشاعر.
إن الاحترام يظهر من خلال الأسلوب والصوت ونوعية الكلمات ولغة الجسد، لذلك لابد من ضبط هذه الأشياء حتى يدرك الشخص الذي أمامك مدى الاحترام الذي يستحقه في علاقتكما.
5- الحب يتطلب الصفح : بمعنى تجاوز الغضب والمرارة والبدء بأعمال معينة للإصلاح والتغيير.
الصفح أمر ضروري في قلب عالم مليء بالأخطاء والتصرفات الغبية.
أعرف شخصاً يرتكب معظم الأخطاء والسخافات الحمقاء التي يمكنك أن تتصورها، إنك لن تصدق الأشياء الغبية التي يفعلها هذا الشخص والتي تجرحني أنا شخصياً وتؤثر على عملي وعلى أسرتي، إلا أنني عادة ما أسارع إلى تجاوز الأمر والتغاضي عن الأشياء المجنونة التي يفعلها، وعادة ما أسارع إلى استنتاج أن تلك الأخطاء هي مجرد تصرفات ارتكبها ولكنها لا تُجسد حقيقته، أعني هذا الشخص حقاً شخص طيب!
ومن بالضبط هذا الشخص؟
إنه أنا!....
فإن كنا نسارع لنصفح لأنفسنا، فلماذا لا نسارع لنصفح للآخرين، وقد علمنا المسيح " أحبب قريبك كنفسك ".
6- الحب يتطلب الصدق : بمعنى غياب الغش والخداع في كل تصرفاتنا، فالصدق الذي يعبَّر عنه بالاستقامة في السلوك يبني الثقة مع الآخر.
كم من المرات نقول عبارات ونحن لا نعنيها ولا نعمل لأجلها، كم من المرات نقول لبعض أننا مثل الأسرة ولكننا نفصل الناس عنا.
عندما نعيش الصدق تغيب سلوكيات الازدواجية التي هي: النميمة والغيبية والتحالف ضد.....
ومن أهم أنواع الصدق هو أن نعيش الصدق في المحاسبة.
متى نفشل ومتى ننجح في القيام بما يتطلبه الحب؟
إن أساليب التواصل تحدد الكثير مما يمكن أن نحققه في هذا المجال وهذه الأساليب هي كالتالي:
· العدواني: شخص صريح ومباشر ولكنه ينتهك حقوق الآخرين في عدوانيته.
· السلبي: شخص يصبح ممسحة أقدام الآخرين ويسمح للآخرين باستغلاله.
· العدواني السلبي: شخص يتواصل بطريقة غير مباشرة في صورة سخرية وتهكم، معاملة سلبية صامتة، أهداف مسيئة مخفية.
· الحاسم : شخص صريح ومباشر يقول الحقيقة حتى ولو كانت مزعجة لكن بسلوك ينطوي على الاحترام.
أيها المؤمن كن حاسم دائماً وأسرع في السلوك مع الآخرين بما يتطلبه الحب، إنسَ أمر المشاعر وركز على الكيفية التي يجب أن تتعامل بها مع الآخر، وستجد أن المشاعر تتبع لاحقاً.
قال سس إس لويس:
" لا تهدر الوقت في الإنشغال بما إذا كنت تحب جارك أو لا، تصرف كما لو أنك تحبه، وبمجرد أن تفعل هذا، ستجد أحد الأسرار العظيمة، عندما تتصرف كما لو كنت تحب شخصاً ما، فإنك ستحبه حقاً عما قريب ".
لا غنى عن الحب الحقيقي الذي به يعرف الجميع أننا تلاميذ الرب يسوع المسيح، هذا الحب الذي يظهر من خلال أعمالنا، كما هو مكتوب:
" بهذا قد عرَفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الأخوة ".
وهذا ما نستطيع أن نفعله من خلال تمكين نعمة الله لكل مؤمن، فهو قد وهب لنا كل ما هو للحياة والتقوى.
نعم نستطيع ذلك عندما نسلك بالإيمان تجاه نعمة الله، الذي يزودنا بقوته لنعيش الحياة المعجزية حياة المحبة الحقيقية.
13 / 7 / 2011 إعداد القس عبدالله حمصي
معلومات إضافية